في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها بيئة الأعمال الدولية، أصبحت المؤسسات الحديثة تسعى إلى تحقيق ميزة تنافسية من خلال خلق قيمة مضافة. هذه القيمة يمكن أن تتجلى في شكل موجودات ملموسة (مثل الأصول المادية) وغير ملموسة (مثل المعرفة، العلامة التجارية، والابتكار(

وقد مر مفهوم القيمة وتطورها عبر مراحل مختلفة من الفكر الاقتصادي، حيث تنوعت الرؤى والنماذج لقياسها بناءً على المدارس الفكرية المختلفة. وتشير هذه النماذج إلى أهمية المصادر التي تعتمد عليها المؤسسات لتحقيق القيمة، والتي تشكل في ذاتها هدفًا استراتيجيًا تسعى إلى تحقيقه.

الإطار المفاهيمي لتقييم المؤسسات

         I.            المفاهيم العامة حول القيمة وخلقها في المؤسسات

إن خلق القيمة لم يعد يقتصر على تحقيق الأرباح قصيرة المدى فقط، بل أصبح يتسع ليشمل تعزيز الاستدامة، تحسين رضا العملاء، وزيادة ولاء الأطراف ذات العلاقة، مما يُعزز استمرارية المؤسسة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.

1.     ظهور مفهوم القيمة وتطوره في الفكر الاقتصادي والمحاسبي والمالي

حظي مفهوم القيمة باهتمام كبير من قبل الدراسات المختلفة في مجالات الفكر الاقتصادي والمحاسبي والمالي. وقد كان هذا المفهوم محل جدل واسع بين مختلف المدارس الاقتصادية منذ بداياته.

في الفكر الكلاسيكي وحتى النيوكلاسيكي، ارتبط مفهوم القيمة بشكل أساسي بالسعر، حيث اعتُبر أن سعر السلعة هو العامل الرئيسي في تحديد قيمتها. وقد ركز كل تيار فكري على زاوية معينة لفهم السوق وتحليل آلياته، مما أدى إلى تبني نظريات مختلفة حول مفهوم القيمة.

ارتكز هذا الجدل على مفهومين رئيسيين:

·        قيمة الاستعمال (Use Value): وهي المنفعة التي تحققها السلعة أو الخدمة للمستهلك عند استخدامها.

·        قيمة التبادل (Exchange Value): وهي القيمة التي تحققها السلعة عند تبادلها في السوق، أي منفعتها التجارية.

من خلال هذه المفاهيم، سعى المفكرون إلى تفسير كيفية تحديد القيمة وتطورها، مع التركيز على العلاقة بين السوق والسلعة، مما أسهم في تطوير أدوات ونظريات تساعد على تقييم الأصول وتحليل الأداء المالي للمؤسسات.

تطور مفهوم القيمة عند الفيزيوقراط والكلاسيك

·        الفيزيوقراط : اعتقد الفيزيوقراط أن القيمة تنبع من الإنتاج الزراعي، حيث رأوا أن الأرض هي المصدر الأساسي للثروة. كان فرنسوا كيزني رائد هذا الفكر الطبيعي، إذ قسّم مصادر الثروة في الحياة الاقتصادية إلى نوعين:

 

الثروة الطبيعية: المتمثلة في كل ما تنتجه الأرض، والتي اعتُبرت المصدر الرئيسي للثروة والتنمية المستدامة.

الثروة الصناعية: الناتجة عن تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات صناعية، والتي عُدت ثروة ثانوية لأنها تعتمد على الموارد الأولية.

·        الكلاسيك: مع تطور الفكر الكلاسيكي، قدّم مفكرون مثل آدم سميث وديفيد ريكاردو نظريات أكثر شمولاً لتحديد القيمة.

آدم سميث:  ركز سميث على تحليل القيمة من خلال مفهومين

 السعر الطبيعي: يمثل القيمة الأصلية للسلعة، وهو السعر الذي يجذب السوق نحو التوازن.

 سعر السوق: يعكس السعر الفعلي للسلعة، والذي يتحدد بناءً على التفاعل بين العرض والطلب.

 

 أشار إلى أن السعر الطبيعي هو الأساس الذي يُغطي جميع تكاليف الإنتاج، ويُعد نقطة التوازن التي تتجه نحوها أسعار السوق على المدى البعيد.

 ديفيد ريكاردو:  ركز ريكاردو على تكاليف الإنتاج كعامل أساسي لتحديد قيمة السلعة.

 اعتبر أن القيمة تُقاس بناءً على كمية العمل المدمج في إنتاج السلعة، مما يجعل تكاليف الإنتاج العنصر الجوهري في تحديد قيمتها الاقتصادية.

 

عند الفيزيوقراط، القيمة تعتمد على الأرض كمصدر أساسي للثروة

 عند الكلاسيك، تُحدد القيمة من خلال تكاليف الإنتاج والعمل، مع تركيز خاص على السعر الطبيعي والتوازن في السوق.

 أسهمت هذه النظريات في وضع الأسس لتحليل القيمة وتقييم الأصول في السياق الاقتصادي الحديث.

 

مفهوم القيمة عند النيوكلاسيك والفكر المحاسبي

1.     النيوكلاسيك

قدّم النيوكلاسيك مفهومًا مغايرًا للقيمة مقارنة بالكلاسيك، حيث ركزوا على الجانب الذاتي للقيمة بدلاً من الجانب الموضوعي. تمحورت رؤيتهم حول الطلب وحاجات المستهلكين، بدلاً من التركيز على الإنتاج وتكاليفه.

 

·        الطلب كأساس لتحديد القيمة:

 أشار النيوكلاسيك إلى أن القيمة تُحدد بناءً على حجم الطلب المحتمل، والذي يعتمد بدوره على قيمة الاستعمال (المنفعة) التي يحصل عليها المستهلك.،  اعتبروا أن قيمة السلعة تعود إلى المستقبل وليس إلى الماضي، أي أنها تتعلق بما يمكن أن يحققه المنتج في السوق وليس بما تم إنفاقه في إنتاجه.

·        استبعاد الجهد والعمل:

 على عكس الكلاسيك الذين اعتبروا العمل وتكاليف الإنتاج أساسًا لتحديد القيمة، يرى النيوكلاسيك أن الطلب واحتمالية المنفعة هما المحددان الرئيسيان.

 وبالتالي، فإن السوق هو المكان الذي تُحدد فيه القيمة بناءً على العرض والطلب.

2.     القيمة في الفكر المحاسبي

يعتمد الفكر المحاسبي في قياس القيمة على مدخلين رئيسيين:

·        مدخل التكلفة:

 يعتمد هذا المدخل على قياس القيمة بناءً على التكاليف التاريخية التي تكبدتها المؤسسة لإنتاج الأصول. ويشمل:

 طريقة التكلفة التاريخية: تقيس الأصول بسعرها الأصلي وقت الشراء.

 طريقة التكلفة التاريخية المعدلة: تأخذ بعين الاعتبار تأثير التضخم أو التغيرات الاقتصادية.

·        مدخل القيمة:

 يركز هذا المدخل على قياس القيمة بناءً على التكاليف الحالية أو المتوقعة. ويشمل:

- طريقة التكلفة الاستبدالية الجارية: تقيس الأصول بالتكلفة التي ستتكبدها المؤسسة لاستبدالها حاليًا.

- طريقة محاسبة التحديث المستمر: تُحدث القيم بناءً على الأسعار الجارية

- طريقة التخزين المتوقعة: تعتمد على القيمة المستقبلية للأصل بناءً على الإيرادات أو الفوائد المتوقعة.

• ركّز النيوكلاسيك على السوق والطلب كعناصر أساسية لتحديد القيمة، مع الإشارة إلى أن القيمة ترتبط بالمستقبل من خلال المنفعة المتوقعة.

• في الفكر المحاسبي، تُقاس القيمة إما بناءً على التكاليف السابقة (التكلفة التاريخية) أو التوقعات المستقبلية (مدخل القيمة)، مما يتيح مرونة في تحديد القيمة حسب طبيعة الأصول والظروف الاقتصادية.

 



 


Modifié le: samedi 27 décembre 2025, 15:25