المحاضرة (14): آليات تطوير وترقية الصحة النفسية في الوسط المدرسي:
تُعرّف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها "حالة من الرفاه النفسي تُمكّن الأفراد من التكيف مع ضغوط الحياة، وتحقيق إمكاناتهم، والتعلم والعمل بكفاءة، والمساهمة في مجتمعهم" (منظمة الصحة العالمية، 2002، ص 8). يتحدى هذا التعريف فكرة أن الصحة النفسية هي نقيض المرض النفسي، ويركز بدلاً من ذلك على الجوانب الإيجابية للصحة النفسية، بما في ذلك الرفاه الذاتي والتوازن العاطفي، وتنمية مهارات التكيف مع الحياة، وتحقيق أقصى إمكانات الفرد، والمشاركة في المجتمع والمساهمة فيه. ويؤكد نهج تعزيز الصحة النفسية على تقوية العوامل الوقائية للصحة النفسية، وتحسين البيئات الداعمة (مثل المنازل والمدارس/المؤسسات التعليمية والمجتمعات)، وتوفير المهارات والموارد والفرص التي تُعزز الصحة النفسية والرفاه. وتضطلع المدارس بدور حيوي في تعزيز الصحة النفسية الجيدة بين الشباب، وتمكينهم من النمو والتعلم، وتحقيق إمكاناتهم، والحد من مخاطر تدهور الصحة النفسية، وتعزيز رفاههم. أولاً: مناهج تعزيز الصحة النفسية في المدارسيمكن تحديد ثلاثة مناهج أو استراتيجيات رئيسية لتعزيز الصحة النفسية في المدارس:
1_ مناهج تعزيز الصحة النفسية في المدارس:
يمكن تحديد ثلاثة مناهج أو استراتيجيات رئيسية لتعزيز الصحة النفسية في المدارس:
1.1_ منهج شامل قائم على المهارات في الصف: تعليم المهارات لجميع الطلاب في الصف بهدف تحسين صحتهم النفسية من خلال منهج دراسي مُكيَّف مع مراحل نموهم.
2.1_منهج شامل للمدرسة: بالإضافة إلى المنهج الدراسي، يتضمن هذا المنهج تهيئة بيئة داعمة داخل المدرسة ككل، وتنسيق الجهود بين ثلاثة عناصر: (أ) تدريس المنهج وتعلّمه، (ب) أخلاقيات المدرسة وبيئتها، (ج) الشراكات مع الأسر والمجتمع.
3.1_ منهج مُوجَّه: برامج للطلاب الأكثر عرضة للخطر تهدف إلى تعزيز مهاراتهم في التأقلم والحد من مخاطر الآثار السلبية على صحتهم النفسية. تشير الأبحاث إلى أن اتباع نهج متعدد الجوانب على مستوى المدرسة لتعزيز الصحة النفسية، يشمل تدخلات شاملة (للجميع) وأخرى موجهة (للفئات الأكثر عرضة للخطر)، هو النهج الأمثل والأكثر فعالية الذي يمكن للمدارس تبنيه (اليونيسف، 2021؛ منظمة الصحة العالمية، 2022). وقد أثبتت برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي قدرتها على تزويد الطلاب بالمعرفة والمهارات والاتجاهات اللازمة لفهم مشاعرهم وإدارتها، ووضع الأهداف وتحقيقها، وإظهار التعاطف، والحفاظ على علاقات إيجابية، واتخاذ قرارات مسؤولة وفعالة
2_ الوضع الراهن للمعرفة حول تعزيز الصحة النفسية في المدارس: تُظهر العديد من الدراسات الدولية أن تعزيز الصحة النفسية في المدارس يُمكن أن يُحقق فوائد طويلة الأمد للشباب، بما في ذلك تحسين الصحة النفسية، والسلوك الاجتماعي، والأداء الأكاديمي، والسلوكيات الصحية الإيجابية.
وقد ثبت أن المناهج المدرسية الشاملة، بما في ذلك تلك التي تُعزز مناخًا مدرسيًا إيجابيًا وشراكات مع الأسرة والمجتمع، تُؤدي إلى نتائج إيجابية ومستدامة عند تطبيقها بفعالية وتستند برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي إلى نتائج قوية وإيجابية ودائمة للشباب، بما في ذلك تحسين الأداء الأكاديمي.
3_ الفجوة بين التطبيق والنتائج المبنية عليها:
بينما تؤكد البيانات الدولية أهمية وأثر تنمية الصحة النفسية للشباب في المدارس والمؤسسات التعليمية، إلا أن هناك فجوة بين البيانات والتطبيق فيما يتعلق بنقل المناهج القائمة على الأدلة إلى الممارسات التعليمية الروتينية. ولا يزال دمج هذه المناهج في المناهج الدراسية، وتطبيقها الأمثل ضمن سياق النظام المدرسي ككل، واستدامتها، أمورًا غير واضحة المعالم. ويُعيق دمج برامج الصحة النفسية في الممارسات والأساليب المدرسية الروتينية بشكل خاص التنافس على الوقت والمساحة في المناهج الدراسية المثقلة أصلًا. وتواجه المدارس والمؤسسات التعليمية مجموعة متنوعة من القضايا والمشاكل المتعلقة بالطلاب، مثل التنمر، وتعاطي المخدرات، والسلوك المعادي للمجتمع، وغيرها. لذا، يصعب تحديد البرامج الأكثر فعالية. عمليًا، قد لا تحظى برامج الصحة النفسية بالتقدير الكافي مقارنةً بالمواد الأكاديمية التقليدية، مما يفسر قلة الوقت المخصص لتنفيذها، ومحدودية الدعم الذي تتلقاه، وعدم القدرة على دمجها في التعلم متعدد التخصصات. ونتيجةً لذلك، ورغم أن هذه البرامج المدرسية قد يكون لها تأثير كبير ودائم على حياة الشباب، إلا أن معظمها لم يُعتمد أو يُوسع نطاقه على المستوى الوطني. وتوصي الدراسات بمنهج دراسي يدمج المهارات الاجتماعية والعاطفية في المواد الدراسية، مع تسلسل واضح لأهداف التعلم، ويُقدمه معلمون مؤهلون بدعم من أولياء الأمور. ويحدد جونز وبوفارد (2012) مبادئ توجيهية لتطوير نهج أكثر تكاملًا، تشمل: الاستمرارية والاتساق، وإدراك تكامل المهارات الاجتماعية والعاطفية مع المهارات الأكاديمية. ووفقًا لهذين الباحثين، من الضروري أيضًا مراعاة أن المهارات الاجتماعية والعاطفية تتطور في سياق العلاقات، وأن الفصول الدراسية والمدارس/المؤسسات التعليمية تعمل كنظم متكاملة. تؤكد هذه المبادئ على أهمية التدريب المناسب للمعلمين واستخدام المعايير لتوجيه المدارس والمؤسسات التعليمية في دمج المهارات الأكاديمية والاجتماعية والعاطفية في ممارساتها اليومية. ولتحقيق نتائج مستدامة، يجب أن ترتكز برامج الصحة النفسية على الرسالة الأساسية للمدرسة وأن تُدمج في الممارسات التعليمية وفي النظام التعليمي ككل.
4_ تبني نهج شامل للمدرسة/المؤسسة:
يشمل النهج الشامل للمدرسة/المؤسسة جميع أفراد المجتمع المدرسي، ويهدف إلى دمج تعزيز الصحة النفسية في التفاعلات والممارسات اليومية من خلال جهود تعاونية تشمل جميع الموظفين والمعلمين والأسر والطلاب. يسعى هذا النهج إلى تشكيل السياق المدرسي بأكمله، بما في ذلك التنظيم، وهياكل الحوكمة، والعلاقات، والبيئة المادية للمدرسة/المؤسسة، بالإضافة إلى المناهج الدراسية وأساليب التدريس يُمكّن هذا النهج المنهجي المدارس/المؤسسات من الانتقال من نهج مجزأ إلى نهج شامل ومنسق، سواءً من حيث التخطيط أو التنفيذ